السيد عبد الأعلى السبزواري

313

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

يخرج بعضكم بعضا من ديارهم بغير الحق مباشريا كان أو بالتسبيب وكل منهما من القبائح العقلية ، ولذا اعترفوا وشهدوا بذلك . وإنّما عبّر سبحانه بالنفس وجعل غير الشخص كأنه نفسه مبالغة في النهي ، وتأكيدا في الترك ولأنهم أمّة واحدة بينهم روابط القرابة والمصلحة والدين ، فما يصيب واحدا منهم كأنما يصيب الأمة ، وأراد سبحانه وتعالى بذلك تعليم حفظ الوحدة بين الأفراد مهما أمكنهم كقوله تعالى : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [ سورة النور ، الآية : 61 ] . قوله تعالى : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . الإقرار هو الإخبار الجازم بما هو لازم . والشهادة من الشهود وهو الحضور الذي لا شك فيه . والمعنى انكم أقررتم بالميثاق والعهد ؛ وتشهدون بما فعلتم به من الهتك والنقض . قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ . إخبار عن نقضهم للعهد ، والخطاب إلى يهود عصر النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) وبيان لما نقضوه من سفك الدم وإخراج صاحب الدار من داره ، وفيه إشارة إلى ما كان بين اليهود في عصر النبي من التنافر والتعاند والقتل والأسر والعدوان وسيأتي في البحث الروائي ما يدل على ذلك . قوله تعالى : تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ . التظاهر التعاون ، وهو مشتق من الظهر بمعنى المعين ، قال تعالى : وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء ، الآية : 88 ] . والإثم والوزر والمعصية بمعنى واحد . والعدوان التجاوز عن الحد ، وفي المقام هو الإفراط في الظلم . أي أنه كان منكم من يعاون الظالم على إخوانه من اليهود بالإثم والعدوان أي القتل والأسر والإخراج من الديار . قوله تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ . أسارى جمع أسير ، وهو كل مأخوذ قهرا . وقد يطلق الأسارى على من في الوثاق ، والأسرى على من في اليد بلا وثاق وتفادوهم من الفداء وهو طلب الفدية . والمعنى أنه يفدي كل فريق من اليهود أسرى أهل ملته وإن كان من أعدائه ، ثم يعتذرون عن ذلك بأن دينهم أمرهم بفداء الأسرى من